الأربعاء، 25 نوفمبر 2020

النهي عن اختناث الاسقية

 


28 من حديث (نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية


ورد في كتاب مسلم النهي عن اختناث الاسقية 

112- باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم

1/761- عن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ  رضي الله عنهقَالَ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ. يعني: أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُها، وَيُشْرَب مِنْهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.

2/762- وعن أَبي هريرة  قَالَ: نَهَى رَسُول اللَّه ﷺ أَن يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقاءِ أَو القِرْبةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

3/763- وعن أُمِّ ثابِتٍ كَبْشَةَ بِنْتِ ثَابتٍ -أُخْتِ حَسَّان بْنِ ثابت رضي اللَّه عنه وعنها- قالت: دخَل علَيَّ رسولُ اللَّه ﷺ، فَشَرِبَ مِن فِي قِرْبةٍ مُعَلَّقةٍ قَائمًا، فَقُمْتُ إِلى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد: فهذه الأحاديث الثلاثة فيها الحثّ على عدم الشرب من في السقاء والقربة ونحوهما إلا عند الحاجة؛ لأنَّ ذلك قد يُفضي إلى أن يشرب منها وربما كان في الماء شيء يُؤذيه، فالسنة أن يُفرغ من القربة والسقاء ونحو ذلك في الإناء ويشرب؛ حتى يكون على بصيرةٍ بما يشرب، لكن إذا كانت هناك حاجة: كأن لا يجد إناءً أو نحو ذلك فلا بأس أن يشرب من في السقاء، كما في حديث كبشة أم ثابت الأنصارية رضي الله عنها، وأن النبي ﷺ دخل عليها ذات يومٍ ..... القربة وشرب قائمًا عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ ذلك لأسباب عدم وجود الإناء، أو ليعلم الحاضرون وغيرهم أنه يجوز عند الحاجة، لكن تركه أولى، لكن إذا دعت الحاجةُ إليه فلا بأس، وإلا فالسنة صبّه، وأن يصبّ القربة أو السقاء في الإناء ثم يشرب، واختناث الأسقية معناه: كسر أفواهها .....

وفي حديث كبشة أيضًا فائدة، وهي أنه لا بأس بالشرب قائمًا، وإن كان الشرب جالسًا أفضل وأولى، لكن يجوز الشرب قائمًا، ولا سيما إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك؛ لعجلةٍ أو لكون الأرض غير مناسبةٍ للجلوس فيها، أو لأسبابٍ أخرى، وقد ثبت أنه ﷺ شرب قائمًا من زمزم، وثبت من حديث عليٍّ أنه شرب قائمًا وقاعدًا، فالنهي عن الشرب قائمًا نهي تنزيه وكراهة، والسنة القعود، إلا عند الحاجة، ولا مانع أن يشرب قائمًا لعجلةٍ، أو كون الأرض غير مناسبةٍ للجلوس فيها، أو لأسبابٍ اقتضت ذلك، وهذا كله يتعلق بالآداب الشرعية في الشرب، وقد تقدمت أحاديث متعددة في الآداب الشرعية في الأكل والشرب جميعًا. وفَّق الله الجميع.

113- باب كراهة النَّفخ في الشَّراب

1/764- عن أَبي سعيدٍ الخدريِّ : أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ النَّفخِ في الشَّرابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: القذَاةُ أَراها في الإِناءِ؟ فقال: أَهْرِقْهَا، قال: فإِني لا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: فَأَبِنِ القَدَحَ إِذًا عَنْ فِيكَ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

2/765- وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما: أن النَّبيَّ ﷺ نَهَى أَن يُتنَفَّسَ في الإِنَاءِ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

114- باب بيان جواز الشرب قائِمًا وبيان أنَّ الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا فِيهِ حديث كبشة السابق.

1/766- وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: سَقَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائمٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.

2/767- وعن النَّزَّال بنِ سبْرَةَ  قَالَ: أَتَى عَلِيٌّ  بَابَ الرَّحْبَةِ فَشَرِب قَائمًا، وقالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كما رَأَيْتُمُوني فَعَلْتُ. رواه البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيها الدلالة على أحكام: منها شرعية فصل الإناء عن الفم عند التنفس، وكراهة التنفس في الإناء، وأن السنة للمؤمن إذا أراد التنفس أن يفصل القدح عن فيه كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يتنفس ثلاثًا عليه الصلاة والسلام في الشراب، ويفصل القدح عن فيه، هكذا ينبغي ألا يتنفس في الإناء، وألا يُنفخ فيه، ولكن يفصله عن فمه ويتنفس، والسنة أن يكون ذلك ثلاثًا، وإن شرب بنفسٍ واحدٍ أو نفسين فلا بأس، لكن ترك ذلك أولى؛ لأن ذلك يُشبه شرب البهائم عبًّا.

وفي الحديث الدلالة على أنه ينبغي للمؤمن أن يتحرى ما هو الأفضل في الشرب، فيشرب .....، ويكون قاعدًا، هذا هو الأفضل، وإن شرب قائمًا فلا حرج، وقد نهى النبي عن الشرب قائمًا، وفعل ذلك في زمزم وفي مواضع أخرى؛ ليدل الأمة على أن النهي ليس للتحريم، ولكنه للكراهة، فإذا دعت الحاجةُ إلى الشرب قائمًا فلا حرج، والشرب قاعدًا هو السنة، وهو أهنأ وأمرأ، فشرب قائمًا في زمزم عليه الصلاة والسلام، وأخبر عليٌّ : أن النبي شرب قائمًا، وهكذا كبشة بنت ثابت الأنصارية -تقدم حديثها- أنه دخل عليها ﷺ وشرب من قربتها وهو قائم عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على أن النهي ليس للتحريم، بل للكراهة، وترك الأولى، فالشرب قائمًا جائز، وكونه قاعدًا أهنأ وأمرأ، أفضل وأولى، وكونه عن ثلاثة أنفاسٍ أفضل، مع فصل الإناء عن فمه، هكذا السنة في الشراب، مع كونه يشرب بيمينه، ولا ينفخ في الإناء. وفَّق الله الجميع.

116- باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة، وجواز الكرع؛ وَهُوَ الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناءٍ ولا يد، وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطَّهارة وسائر وجوه الاستعمال.

1/773- عنْ أَنسٍ  قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَامَ مَنْ كانَ قَريب الدَّارِ إِلى أَهْلِهِ، وبقِي قَوْمٌ، فَأَتَى رسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِن حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَن يبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلّهُمْ، قَالُوا: كَم كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِين وزِيادة. متفقٌ عليه، هذه رواية البخاري.

وفي روايةٍ لَهُ ولمسلم: أَنَّ النبيَّ ﷺ دَعا بِإِناءٍ مِنْ ماءٍ، فأُتِيَ بِقَدحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنس: فَجعَلْتُ أَنْظُرُ إِلى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِه، فَحزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينِ إِلى الثَّمَانِينَ.

1/774- وعن عبداللَّه بنِ زيدٍ  قَالَ: أَتَانا النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفرٍ فَتَوَضَّأَ. رواه البخاري.

2/775- وعن جابرٍ رضي اللَّهُ عنه: أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ ومَعهُ صاحبٌ لَهُ، فقالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ وَإلَّا كَرعْنا رواه البخاري.

الشيخ: هذه الأحاديث وما يأتي بعدها كلها تتعلق بجواز الشرب والأكل في جميع الأواني: من خشبٍ، من حجارةٍ، من حديدٍ، من نحاسٍ -وهو الصفر- وغير ذلك من الأنواع والأجناس كالجلد الطاهر ونحو ذلك، وتحريم الأكل والشرب وسائر وجوه الاستعمال في أواني الذهب والفضة .....

ومن ذلك حديث أنسٍ : أن الناس حضرهم الوضوء عند النبي ﷺ، فمَن كان أهله قريبًا قام إليهم للوضوء، وبقي أناس، فجيء للنبي ﷺ بقدحٍ من حجارةٍ ضاق عن يده عليه الصلاة والسلام، فجعل أصابعه فيه، وفيه ماء قليل، وجعل ينبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام حتى توضَّؤوا عن آخرهم، كانوا سبعين أو ثمانين، هذا يدل على معجزةٍ من معجزات النبي ﷺ: نبع الماء من بين أصابعه، وقد وقع له غير مرة في السفر والحضر، وهو من الدلائل والمعجزات الدالة على أنه رسول الله حقًّا عليه الصلاة والسلام، والدالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه فعال لما يريد إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

ومن جنسه الحجر الذي كان مع موسى، وكان ينبع منه الماء ثنتي عشرة عينًا لبني إسرائيل .....، آيات الله كثيرة، وهذه المعجزات العظيمة للرسول ﷺ من جملة المعجزات الدالة على صدقه: كانشقاق القمر، ونزول البركة في الطعام والشراب، ونبوع الماء من بين أصابعه، ورجوع الماء في بئر الحديبية، وفي بئرٍ في تبوك، إلى غير ذلك مما وقع له عليه الصلاة والسلام.

وفي الحديث الثاني -حديث عبدالله بن زيد- أنهم توضَّؤوا مع النبي ﷺ، أخرجوا له ماءً في تورٍ من صفر، التور يعني: الإناء من صفرٍ، يعني: أصفر يُشبه الذهب وليس بالذهب، هذا يدل على جواز استعمال الأواني الصفراء، وأواني الحديد والنحاس والحجارة، لا حرج في ذلك.

كذلك حديث جابر: أن النبي ﷺ دخل على بعض الأنصار وقال: إن كان عندكم ماء بات في شنة يعني: فاسقنا وإلا كرعنا، فدل على جواز الكرع ..... الساقي ونحوه يشرب منه، لا حرج في ذلك، وإذا أخذ بيديه وشرب، أو في إناء وشرب، كل ذلك جائز، وقد تدعو الحاجة إلى الكرع من كون اليدين غير صالحتين للشرب؛ فيها من وسخٍ أو غير ذلك.

فالحاصل أن الشرب في الإناء باليدين أفضل كما هو العادة .....، وإذا دعت الحاجةُ إلى الكرع فلا حرج في ذلك، وهو الشرب من النهر، أو من الساقي، أو من ..... ونحو ذلك، تأتي بقية الأحاديث إن شاء الله فيما ذكره المؤلف.

وفَّق الله الجميع، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ.

3/776- وعن حذيفة  قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَن الحَرير والدِّيبَاجِ، والشُّرْبِ في آنِيةِ الذَّهَب والفِضَّةِ، وقال: هِيَ لهُمْ في الدُّنْيا، وهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ متَّفقٌ عليه.

4/777- وعن أُمِّ سلمة رضي اللَّه عنها: أَنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ متفقٌ عَلَيْهِ.

وفي روايةٍ لمسلم: إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ.

وفي روايةٍ لَه: مَنْ شَرِبَ في إِناءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فضةٍ فَإِنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ.

الشيخ: هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تدل على تحريم أواني الذهب والفضة، والشرب فيها، والأكل، والطهارة، وسائر وجوه الاستعمال.

يقول عليه الصلاة والسلام: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا يعني: للكفرة، ولكم في الآخرة، والله جلَّ وعلا ادَّخرها للمؤمنين في دار الكرامة، في دار النعيم، وحرَّم عليهم استعمالها في هذه الدار؛ دار الابتلاء والامتحان، ودار العمل، ودار الإعداد للآخرة، فهي لا تجوز للمسلمين في هذه الدار، لا رجال، ولا نساء، ليس لأحدٍ أن يستعمل أواني الذهب والفضة، ومن ذلك الملاعق والأكواب التي يصبّ فيها الشاي والقهوة، وكل ما يُستعمل في أكلٍ وشربٍ أو شبه ذلك، لا تتخذ أواني للزينة، أو في المجالس، الأباريق أو غير ذلك، كل ذلك لا يجوز، أو قلال، كل ذلك لا يجوز؛ لعموم النهي.

ومن ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها: يقول عليه الصلاة والسلام: الذي يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نار جهنم، وفي حديث ابن عمر يقول ﷺ: الذي يشرب في إناء الذهب والفضة -أو في إناء فيه شيء من ذلك- فإنما يُجرجر في بطنه نار جهنم، هذا يُبين لنا تحريم هذه الأشياء للرجال والنساء، بخلاف الحلية من الذهب والفضة فإنه مباح للنساء: كالأسورة والخواتم والقلائد ونحو ذلك، أما الأواني فلا، تحرم على الجميع، وهكذا الحرير مباح للنساء دون الرجال، وأما الأواني من الذهب والفضة فمحرمة على الجميع؛ على الرجال والنساء جميعًا.

وقال عليه الصلاة والسلام: إنها لهم في الدنيا يعني: الكفرة، ولكم في الآخرة، استثنى أهلُ العلم من ذلك الضبّة اليسيرة من الفضة في ..... القدح إذا شعب، قالوا: يُستثنى من ذلك؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ لما انشعب قدحه ..... بسلسلةٍ من فضةٍ كما قال أنس  ..... جبره بسلسلةٍ من فضةٍ، هذا يدل على أنَّ مثل هذا لا بأس به، الشيء اليسير من الفضة خاصةً إذا وقع خرق في القدح أو كسر .....؛ لأنَّ الفضة أسهل من الذهب وأيسر، وأما ما يتساهل فيه الناس من اتّخاذ بعض الملاعق أو الأكواب أو الفناجين أو غير ذلك من الذهب أو الفضة، أو تمويهها بشيءٍ من ذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه ..... داخل فيه النهي.


الباب 22 اذا شرب فالايمن احق الى 27 الرخصة فى الشرب قائما من زمزم

 

-22باب: إذا شرب فالأيمن أحق

1295. عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ فِي دَارِنَا فَاسْتَسْقَى فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هَذِهِ قَالَ فَأَعْطَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ وَعُمَرُ وِجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ شُرْبِهِ قَالَ عُمَرُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُرِيهِ إِيَّاهُ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ الْأَعْرَابِيَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ قَالَ أَنَسٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ.(2029/126)

الشرح

علَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمَّتَه الخيرَ والهَدْيَ القَويمَ، ومِن ذلك البَدْءُ باليَمينِ في الأفعالِ الَّتي فيها اختيارٌ بيْن اليمينِ والشِّمالِ؛ فاليَمينُ جِهةٌ مُبارَكةٌ في مُسمَّاها؛ فأهلُ اليَمينِ همْ أهلُ الجنَّةِ.
وفي هذا الحديثِ يَحكي أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءهُمْ في دارِهم، فطَلَبَ أنْ يَشرَبَ، فحَلَبوا له شاةً، ثمَّ خلَطَ أنسٌ اللَّبَنَ بماءٍ مِن بِئرٍ في بَيتِهم، ثمَّ أعطاهُ له صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه عن يَسارِه، وعُمرُ رَضيَ اللهُ عنه أمامَهُ، وأعرابيٌّ -وهو مَن يَسكُنُ الصَّحراءَ مِن العرَبِ- عَن يَمينِه، فشَرِب صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا فرَغَ قال عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: «هذا أبو بَكرٍ»، أيِ: أعْطِ فضْلَكَ يا رَسولَ اللهِ لأبي بَكرٍ، فأعطَى صلَّى الله عليه وسلَّم ما بَقيَ للأعرابيَّ.
ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «الأيمَنُون الأيمَنون»، أيْ: إنَّهم مُقَدَّمون، «ألَا فيَمِّنوا» وهو أمرٌ بتَقديمِ مَن في جِهةِ اليمينِ، وهو تَأكيدٌ بعْدَ تَأكيدٍ. قال أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه: فهي -أي: البَدَاءةُ بالأيمَنِ- سُنَّةٌ، فهي سُنَّةٌ، فهي سُنَّةٌ، وكرَّرها ثَلاثًا بَيانًا لأهمِّيَّتِها، وتَأكيدًا على الأمرِ.
وفي حَديثِ البُخاريِّ مِن حَديثِ سَهْلِ بنِ سَعدٍ السَّاعديِّ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بشَرابٍ، فشَرِبَ منه وعن يَمينِه غُلامٌ -وهو ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما-، وعن يَسارِه الأشياخُ، فقال للغُلامِ: «أتَأذَنُ لي أنْ أُعطِيَ هؤلاء؟» فقال الغلامُ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، لا أُوثِرُ بنَصيبي منكَ أحدًا، قال: فتَلَّه -أي: وَضَعَه- رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في يَدِه. فاستَأذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ابنَ عبَّاسٍ؛ لأنَّه عن يَمينِه، وهو الأحقُّ بالبَداءةِ، ولم يَستأذِنِ الأعرابيَّ في هذا الحديثِ في أنْ يُعطِيَ أبا بَكرٍ؛ ليَتألَّفَ الأعرابيَّ بذلك؛ لقُربِ عَهدِه بالإسلامِ، أو لئلَّا يَظُنَّ الأعرابيُّ به غَضاضةً منه، وتَقصيرًا في حقِّه مع أنَفةِ الجاهليَّةِ، وجَفاءِ الأعرابِ، وقدِ استَأذنَ ابنَ عبَّاسٍ بدَفْعِ الشَّرابِ للأشياخِ والكُبراءِ مِن آلِه وقَومِه؛ ثِقةً مِنه بطِيبِ نفْسِه باستئذانِه، ولاسْتِئلافِ الأشياخِ أيضًا بهذا الاستئِذانِ وتَعريفِ الحُكمِ -بأنَّه لا يُصرَفُ عنه إلَّا بإذنِه- لِمَن لم يكُنْ عَلِمَه منهم.
وأمَّا ما ورَدَ مِن نُصوصٍ في تَقديمِ الكبيرِ، فلا تَعارُضَ بيْنها وبيْن البَدْءِ باليمينِ؛ إذ تَقديمُ الكبيرِ يكونُ عندَ التَّساوي في جَميعِ الأوصافِ، فيُقدَّمُ الكبيرُ، كما لو تَساوَوا في المجلسِ بأنْ جَلَسوا على غيرِ تَرتيبٍ، فيُبدَأُ عندَها بالكبيرِ، أمَّا لو جَلَسوا مُرتَّبِين، فمَن على اليمينِ أَولى وأحقُّ مِن الكبيرِ.
وفي الحديثِ: أنَّ السُّنَّةَ لِمَن استَسْقَى أنْ يَسقيَ الَّذي عن يَمينِه، وإنْ كان الَّذي عن يَسارِه أفضَلَ ممَّن جلَسَ عن يَمينِه


23-باب: في استئذان الصغير في إعطاء الشيوخ

1296. 

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ فَقَالَ لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي يَدِهِ.(2030/127)


في هذا الحديثِ بيَّنَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أدبًا مِن آداب الشُّرب؛ فالنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدما شرِب كان عن يمينِه غلامٌ صغيرٌ، قيل: إنَّه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وعن يسارِه الأشياخُ الكِبارِ مِن الصَّحابةِ رضوان الله عليهم، فاستأذَن النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الغلامَ في أن يُعطيَ الشَّرابَ الأشياخَ؛ لأنَّهم كانوا عن يساره، فرفَض الغلامُ، وقال: لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحدًا، فبيَّنَ الغلامُ العِلَّةَ في عدم الإيثارِ، وأنَّه ليس كونه شرابًا، وإنَّما هو لحلولِ أثَرِ بركتِه صلَّى الله عليه سلَّمَ عليه؛ لكونِه ما فضَل مِن شرابِه، وذلك محلُّ تنافُسِ أصحاب الهِمَمِ؛ فلذا عبَّر بقولِه: بنصيبي منك، أي: مِن أثَرِ بركتِك، فتَلَّه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يدِه، أي: أعطاه الشَّرابَ في يدِه.
وفي الحديث: حُسن أدب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وطيب عِشرتِه لأصحابِه.


24-باب: النهي عن التَنَفّس فِي الْإِنَاءِ

1297. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ.

(2027/121)

الشرح

 " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتنفس في الإناء ، وأن ينفخ فيه " وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث ، وكذا النهي عن التنفس في الإناء لأنه ربما حصل له تغير من النفس إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلا ،

أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة 

 أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة 

 والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس


قال صلي الله علية وسلم  (إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فلا يَتَنَفَّسْ في الإنَاءِ)

كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحسَنَ النَّاسِ تَعليمًا وتَربيةً، وقدْ علَّمَ أُمَّتَه كلَّ شيءٍ يَنفعُها، ومِن ذلِك تعليمُه آدابَ الطَّعامِ والشَّرابِ وحتي قَضاءِ الحاجةِ علمهم أدابها 

 كما في هذا الحديثِ، حيثُ نَهى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ التَّنفُّسِ في الإناءِ عِندَ الشُّربِ، فإذا أراد أنْ يَتنفَّسَ أثْناءَ الشُّربِ فلْيتنفَّسْ بَعيدًا عنِ الإِناءِ وهوَ مُمسِكٌ بهِ في يَدِهِ

وعلة ذلك :

* لِئلَّا يَستقذِرَه غيرُه، فَتمتنِعَ نفْسُه عَنِ الشُّربِ مِن هذا الإناءِ

وحتَّى لا يَتغيَّرَ الإناءُ بِكثرةِ التَّنفُّسِ فيه

 وحِرصًا على النَّظافةِ والسَّلامةِ العامَّةِ، والوِقايةِ مِن العَدْوى وغيرِها

وهذا عامٌّ في كلِّ أنواعِ الأشربةِ؛ الماءِ وغيرِه.

ونَهَى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيضًا عَنِ التَّمسُّحِ باليمينِ، وهو الاستنجاءُ بعدَ قَضاءِ الحاجةِ، وعن مَسِّ الفرْجِ بِاليمينِ، فلا يَمسَحُ بيَدِه اليُمنَى الذَّكَرَ بعْدَ البَولِ؛ وذلك لأنَّ اليَمينَ تُستخدَمُ لِفضائلِ الأعمالِ، ولا تُستخدَمُ في إزالةِ القَذارةِ والاستنجاءِ، وما سِوَى ذلك يكونُ لِليُسرى.

ونجد في هذا الحَديثِ: بَيانُ سَبْقِ الإسلامِ في آدابِ المأكلِ والمَشرَبِ، والنَّظافةِ الشَّخصيَّةِ والعامَّةِ، والمُحافَظةِ على سَلامةِ الناسِ.


25-باب: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ

1298. 

عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ قَالَ أَنَسٌ فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا.(2028/123)

الشرح

عن أنس - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتنفس في الشراب ثلاثًا؛ يعني: يتنفس خارج الإناء"؛ متفق عليه.


شرح الحديث:

كراهة التنفس في الإ‌ناء أثناء الشرب ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ  نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ.) رواه الامام مسلم 

 وفي هذا مراعاة  للناحية النفسية والوقائية من الامراض

@ ناحية نفسية، وذلك أن مَن سيَشرب بعده، قد يكره الشرب من الإ‌ناء، وقد تتغير رائحة الماء إذا كان المتنفس مريضًا.

 

@ الناحية الوقائية، وذلك أن كثير من  الأ‌مراض تنتقل عن طريق التنفُّس وخاصة الامراض التي توجد ميكروباتها في منطقة الفم والبلعوم ، وحتي الفلورا الطبيعية الموجودة بالفم لدي شخص قد تتحول الي ممرضة لشخص اخر مناعته طعيفه مثل الاطفال وكبار السن ومرضي العوز المناعي 

وناحية وقائية  للشارب نفسه؛ إذ إنه إذا أبعد الإ‌ناء عن فمه، تنفَّس بهدوءٍ ولا يتناثر الرزاز الذي قديحمل الميكروبات  داخل الاناء فتتكاثر ويتلوث الشراب 

ولذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتنفَّس في الشراب ثلا‌ثًا، ويقول: ((إنه أروى وأبرَأ وأمْرَأ))، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلا‌ثًا؛ رواه مسلم.


أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال :

( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا ، وَيَقُولُ : إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ ) رواه مسلم (رقم/2028)

وتفسير أهل العلم لهذا الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يشرب ما يحتاجه من الماء على ثلاث دفعات ، فيشرب جزءا ، ثم يبعد الإناء عن فمه ليتنفس ويخرج زفيره خارج الإناء ، ثم يعود فيشرب جزءا آخر ، ثم يبعد الإناء عن فمه الشريف صلى الله عليه وسلم ، ليأخذ نفسا ثانيا كما فعل في المرة الأولى ، ثم يعود ليشرب الجزء الثالث حتى يرتوي ويأخذ حاجته من الشراب .

فقول أنس رضي الله عنه في وصف شرب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ( يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا ) يعني أنه كان يتنفس أثناء الشراب ، لكن إخراج هذا النفس إنما يكون خارج الإناء ، كما بين ذلك الإمام النووي رحمه الله ، ثم فسر رحمه الله معاني كلمات الحديث الأخرى فقال :

( أروى ) من الرِّي : أي : أكثر رِّيا .

( وأبرأ ) أي : أبرأ من ألم العطش ، وقيل : ( أبرأ ) أي : أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفَس واحد .

( وأمرأ ) أي : أجمل انسياغا .

" شرح مسلم " (13/199)

وهناك حديث آخر يوضح الحديث السابق ، وفق ما مر معنا في شرحه ؛ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

( إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ ، ثُمَّ لِيَعُدْ إِنْ كَانَ يُرِيدُ )

رواه ابن ماجة (رقم/3427) وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (رقم/386)

قال ابن القيم رحمه الله :

" معنى تنفسه في الشراب : إبانته القدح عن فيه ، وتنفسه خارجه ، ثم يعود إلى الشراب .

وفى هذا الشرب حِكَم جَمَّة ، وفوائد مهمة ، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على مَجامعها بقوله : ( إنه أروى ، وأمرأ ، وأبرأ ) ؛ فأروى : أشد رِيَّا وأبلغه وأنفعه . وأبرأ : من البرء ، وهو الشفاء ، أي : يبرىء من شدة العطش ودائه ، لتردده على المعدة الملتهبة دفعات ، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه ، والثالثة ما عجزت الثانية عنه ، وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة ، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ، ونهلة واحدة ؛ فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ، ثم يقلع عنها ، ولما تكسر سورتها وحدتها ، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية ، بخلاف كسرها على التمهل والتدريج .

وأيضا فإنه أسلم عاقبة ، وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة ، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده ، وكثرة كميته ، أو يضعفها فيؤدى ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد " انتهى باختصار.

" زاد المعاد " (4/230)

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :

" يؤخذ من ذلك : أنه أقمع للعطش ، وأقوى على الهضم ، وأقلُّ أثرًا في ضعف الأعضاء وبرد المعدة "

" فتح الباري " (10/94)

وقال ولي الله الدهلوي :

" المعدة إذا وصل إليها الماء قليلا قليلا صرفته الطبيعة إلى ما يهمها ، وإذا هجم عليها الماء الكثير تحيرت في تصريفه ، والمبرود إذا ألقى في معدته الماء أصابته البرودة لضعف قوته من مزاحمة القدر الكثير ، بخلاف ما إذا تدرج ، والمحرور إذا ألقى على معدته ماء دفعة حصلت بينهما المدافعة ولم تتم البرودة ، وإذا ألقى شيئا فشيئا وقعت المزاحمة أولا ثم ترجحت البرودة " انتهى.

" حجة الله البالغة " (2/292) .

وينظر كلام مهم لبعض الباحثين المعاصرين حول هذه المسألة في كتاب "

" روائع الطب الإسلامي " ، تأليف الطبيب محمد نزار الدقر (2/33-34) ترقيم الشاملة .

وقد اتفق أهل العلم على كراهة أن يتنفس الشارب داخل إنائه ، فيصيب نفسه الماء الذي يشرب منه فيتقذر به ، وقد ورد النهي صريحا عن ذلك في حديث أبي قتادة رضي الله عنه

( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ ) رواه مسلم (رقم/267)

اذن 

وفى هذا الشرب حِكمٌ جَمَّة، وفوائدٌ مهمة، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على مَجامِعها، بقوله : " إنه أروَى وأمرَأ وأبرأ "

فأروَى : أشدُّ ريَّاً، وأبلغُه وأنفعُه،
وأبرأُ : أفعلُ من البُرء، وهوالشِّفاء، أى يُبرىء من شدة العطش ودائه لتردُّدِه على المَعِدَة الملتهبة دفعاتٍ، فتُسَكِّن الدفعةُ الثانية ما عجزت الأُولى عن تسكينه، والثالثةُ ما عجزت الثانية عنه، وأيضاً فإنه أسلمُ لحرارة المَعِدَة، وأبقَى عليها من أن يَهجُم عليها الباردُ وَهْلةً واحدة، ونَهْلةً واحدة.وأيضاً فإنه لا يُروِى
لمصادفته لحرارة العطش لحظةً، ثم يُقلع عنها، ولما تُكسَرْ سَوْرتُها وحِدَّتُها، وإن انكسرتْ لم تبطل بالكلية بخلاف كسرِها على التمهُّل والتدريج.
وأيضاً فإنه أسلمُ عاقبةً، وآمنُ غائلةً مِن تناوُل جميع ما يُروِى دفعةً واحدة، فإنه يُخاف منه أن يُطفىء الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرةِ كميته، أو يُضعفَها فيؤدِّى ذلك إلى فساد مزاج المَعِدَة والكَبِد، وإلى أمراض رديئة، خصوصاً فى سكان البلاد الحارة، كالحجاز واليمن ونحوهما، أو فى الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وَهْلَةً واحدةً مَخُوفٌ عليهم جداً، فإنَّ الحار الغريزى ضعيف فى بواطن أهلها، وفى تلك الأزمنة الحارة.
"وأمْرَأُ": هو أفعلُ مِن مَرِئ الطعامُ والشرابُ فى بدنه: إذا دخله، وخالطه بسهولة ولذة ونفع. ومنه: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} ، هنيئاً فى عاقبته، مريئاً فى مذاقه.
وقيل: معناه أنه أسرعُ انحداراً عن المَرِىء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهُل على المرىء انحدارُه.
ومن آفات الشرب نَهْلَةً واحدة أنه يُخاف منه الشَّرَق بأن ينسدَّ مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغَصَّ به، فإذا تنفَّس رُويداً، ثم شرب، أمِنَ من ذلك.

ومن فوائده:
أنَّ الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخارُ الدخانىُّ الحارُّ الذى كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجَتْه الطبيعةُ عنها، فإذا شرِب مرةً واحدةً، اتفق نزولُ الماء البارد، وصعودُ البخار، فيتدافعان ويتعالجان، ومن ذلك يحدُث الشَرقُ والغصَّة، ولا يهْنأ الشاربُ بالماء، ولا يُمرئُه، ولا يتم رِيُّه.
وقد روى عبد الله بن المبارك، والبَيْهَقىُّ، وغيرُهما عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم: "إذا شَرِبَ أحدُكُم فَلْيَمَُصَّ الماءَ مَصَّاً، ولا يَعُبَّ عبَّا، فإنَّه مِن الكُبَادِ ".
والكُبَاد بضم الكاف وتخفيف الباء هو وجع الكبد، وقد عُلم بالتجرِبة أنَّورود الماء جملةً واحدة على الكبد يؤلمها ويُضعفُ حرارتَها، وسببُ ذلك المضادةُ التى بين حرارتها، وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته. ولو ورد بالتدريج شيئاً فشيئاً، لم يضاد حرارتَها، ولم يُضعفْها، وهذا مثالُه صَبُّ الماء البارد على القِدْر وهى تفور، لا يضرُّها صَبُّه قليلاً قليلاً .
وقد روى الترمذىُّ فى "جامعه" عنه صلى الله عليه وسلم: " لا تَشْرَبُوا نَفَساً واحداً كَشُرْبِ البَعيرِ، ولكن اشرَبُوا مَثْنَى وثُلاثَ، وسمُّوا إذا أنتم شَرِْبُتم واحْمَدُّوا إذَا أنتُمْ فَرَغْتُمْ ".

و المعلوم أن شارب الماء دفعة واحدة يضطر إلى كتم نفسه حتى ينتهي من شرابه
و ذلك لأن طريق الماء و الطعام و طريق الهواء يتقاطعان عند البلعوم
فلا يستطيعان أن يمرا معاً ..
و لابد من وقوف أحدهما حتى يمر الآخر ..
و عندما يكتم المرء نَفَسه مدة طويلة ينحبس الهواء
في الرئتين فيأخذ بالضغط على جدران الأسناخ الرئوية فتتوسع
و تفقد مرونتها بالتدريج.


وللتسمية فى أول الطعام والشراب، وحمد الله فى آخره تأثيرٌ عجيب فى نفعه واستمرائه، ودفع مَضَرَّته.

قال الإمام أحمد:
إذا جمع الطعام أربعاً، فقد كَمُل: إذا ذُكِرَ اسمُ الله فى أوله، وحُمِدَ اللهُ فى آخره، وكثرتْ عليه الأيدى، وكان من حِلٍّ.


 

وقد سأل مروان بن الحكم أبا سعيد الخدري، فقال: أسمِعتَ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النَّفخ في الشراب؟ فقال له أبو سعيد: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله، إني لا‌ أُروى من نفسٍ واحد، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فأبِنِ القَدح عن فيك، ثم تنفَّس))، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: ((فأهْرِقها))؛ رواه الإ‌مام أحمد، والإ‌مام مالك، وابن حِبان، والبيهقي في شُعب الإ‌يمان، وغيرهم، وصحَّحه الأ‌لباني.

 

ومعنى (فأبِن)؛ أي: فأبْعِد.

 

ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب من ثُلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب؛ رواه الإ‌مام أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وهو حديث حسن؛ كما قال الأ‌لباني.

 

ويَلحق بهذا النهي النفخ في الإ‌ناء، خاصة إذا كان هناك مَن يشرب بعده.

 

قال الحليمي: وهذا لأ‌ن البخار الذي يرتفع من المعدة أو ينزل من الرأس، وكذلك رائحة الجوف - قد يكونان كريهين

 فإما إن يَعلقا بالماء، فيضُرَّا

 وإما أن يُفسدا السُّؤر على غير الشارب؛ لأ‌نه قد يتقذَّر إذا علِم به، فلا‌ يشرب؛ نقَله عنه الإ‌مام البيهقي، ثم قال:

وذكر كُليب الجَرْمي أنه شهِد عليًّا - رضي الله عنه - نهى القصَّابين عن النفخ في اللحم، وهو نظير النَّفخ في الطعام والشراب الذي جاء النهي عنه

لأ‌ن النَّكهة ربما كانت كريهة، فكرَّهت اللحم وغيَّرت رِيحه، وقد عُرِف ذلك بالتجارب؛ والله أعلم.

النفخ ،قد يتسبب في العدوي بالميكروبات 



26-باب: النهي عن الشرب قائماً

1299. عن أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ.(2026/116)

وعن ابن عمر رضيَ اللَّه عنهما قال: كنَّا نَأْكُلُ عَلى عَهدِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ونحْنُ نَمْشى، ونَشْرَبُ وَنحْنُ قيامٌ. رواهُ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن عمرو بن شعيب عن أَبيهِ عن جدِّه رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ رسُول اللَّهِ ﷺ يشربُ قَائمًا وقَاعِدًا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
 وعن أَنسٍ رضي الله عنه عن النَّبيّ ﷺ أَنهُ نهَى أَنْ يشربَ الرّجُلُ قَائمًا. قَالَ قتادة: فَقلْنَا لأنَس: فالأَكْلُ؟ قَالَ: ذلكَ أَشَرُّ أَو أَخْبثُ. رواهُ مسلم.
وفي رواية لَهُ أَنَّ النبيَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائمًا.
6/772- وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه  قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: لاَ يشْرَبَن أَحدٌ مِنْكُمْ قَائمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقيءْ رواهُ مسلم.


27-باب: الرخصة في الشرب قائماً من زمزم

1300.عن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ قَائِمًا وَاسْتَسْقَى وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ.(2027/120)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع

ويكى مصدر

كتاب الاشربة صحيح الإمام مسلم

من الباب السابع عشر غطوا الاناء حتى الباب 21 عن الشرب فى انية الذهب والفضة

 

17-باب: غطوا الإناء وأوكوا السقاء

1286 عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ.(2012/97)

 الشرح

وقت المغرب هو وقت انتشار الشياطين ، وأنه يجب إدخال الأطفال إلى المنزل في هذا الوقت

ورد في هذا الأدب جملة من الأحاديث الصحيحة . فمن ذلك ما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا ، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا ،  وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ )

رواه البخاري (3280) ومسلم (2012) ، وبوب عليه النووي بقوله : باب الأمر بتغطية الإناء ، وإيكاء السقاء ، وإغلاق الأبواب ، وذكر اسم الله عليها ، وإطفاء السراج والنار عند النوم ، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب .

وروى مسلم (2013) عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ – أي كل ما ينتشر من ماشية وغيرها - وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ ) .

 قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ـ في الحديث الأول ـ :

" ( جُِنح الليل ) هو بضم الجيم وبكسرها ، والمعنى : إقباله بعد غروب الشمس ، يقال : جنح الليل : أقبل .

قوله : ( فخلوهم ) قال ابن الجوزي : إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة ، لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا ، والذكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالبا ، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به ، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت .

والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار ؛ لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره ، وكذلك كل سواد " انتهى. 

" فتح الباري " (6/341)

وقال الإمام النووي رحمه الله :

" هذا الحديث فيه جمل من أنواع الخير والأدب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا ، فأمر صلى الله عليه وسلم بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان ، وجعل الله عز وجل هذه الأسباب أسبابا للسلامة من إيذائه ، فلا يقدر على كشف إناء ، ولا حل سقاء ، ولا فتح باب ، ولا إيذاء صبي وغيره إذا وجدت هذه الأسباب ، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح أن العبد إذا سمى عند دخول بيته قال الشيطان : ( لا مبيت ) أي : لا سلطان لنا على المبيت عند هؤلاء ، وكذلك إذا قال الرجل عند جماع أهله : ( اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ) كان سبب سلامة المولود من ضرر الشيطان ، وكذلك شبه هذا مما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة .

وفى هذا الحديث الحث على ذكر الله تعالى في هذه المواضع ، ويلحق بها ما في معناها ، قال أصحابنا : يستحب أن يذكر اسم الله تعالى على كل أمر ذي بال ، وكذلك يحمد الله تعالى في أول كل أمر ذي بال ، للحديث الحسن المشهور فيه .

قوله ( جنح الليل ) هو بضم الجيم وكسرها ، لغتان مشهورتان ، وهو ظلامه ، ويقال : أجنح الليل : أي : أقبل ظلامه ، وأصل الجنوح الميل .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( فكفوا صبيانكم ) أي : امنعوهم من الخروج ذلك الوقت .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن الشيطان ينتشر ) أي : جنس الشيطان ، ومعناه أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين لكثرتهم حينئذ . والله أعلم " انتهى.

" شرح مسلم " (13/185)

وسئلت اللجنة الدائمة السؤال الآتي :

" في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري : ( إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم ) ثم جاء فيه : ( وأطفئوا مصابيحكم ) فهل هذا الأمر للوجوب ؟ وإن كان للاستحباب فما هي القرينة الصارفة له عن الوجوب ؟

فأجابت :

" هذه الأوامر الواردة في الحديث محمولة على الندب والإرشاد عند أكثر العلماء ، كما نص عليه جماعة من أهل العلم ، منهم : ابن مفلح في " الفروع " (1/132) ، والحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (11/87) والله أعلم " انتهى.


علَّم رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّتَه كيف يتجنَّبون أذى الشَّيطان، وما يضُرُّهم في دُنياهم وآخرتِهم، فقال: إذا كان جُنحُ اللَّيلِ، أو أمسَيْتُم، فكُفُّوا صِبيانَكم، أي: امنَعوهم مِن الخروجِ في ذلك الوقتِ حتى تذهَبَ ساعةٌ مِن اللَّيل؛ لأنَّ هذا هو وقتُ انتشارِهم مِن بدايةِ مَغِيبِ الشَّمس إلى ذَهابِ ساعةٍ مِن اللَّيل، وكذلك أمَر بإغلاقِ الأبوابِ، وذِكرِ اسمِ الله؛ لأنَّ الشَّيطانَ لا يفتَحُ بابًا مُغلقًا؛ فإنَّ اللهَ لم يُعطِه القوَّةَ على ذلك، وإنْ كان أعطاه القدرةَ والقوَّةَ على غيرِ ذلك مِن الأمورِ، وأمَر أيضًا بإيكاءِ القِرَبِ، وهو شَدُّ رؤوسِها بالرِّباطِ، وأمَرَ بتخميرِ الآنيةِ، وهو تغطيتُها ولو بوضعِ عُودٍ على عرضِها، وأمَر بإطفاءِ المصابيحِ؛ لأنَّ المصابيحَ كانت تضاءُ بالنَّارِ، وكانت الفأرةُ تنزِعُ الفتيلَ وتجُرُّه فتتسبَّبُ في إضرامِ النِّيرانِ، والحديثُ يدلُّ على أنَّ الشَّيطانَ إنَّما يتسلَّطُ على المُفرِّطِ لا على المُتحرِّزِ. وفيه أخْذُ الحيطةِ والحذرُ من كلِّ ما يضرُّ.

 

1287 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ و حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا يَنْزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ اللَّيْثُ فَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ.(2014/99)

الشرح

 قد صحّ الأمر بتغطية الآنية في الليل، حماية لها من وباء قد يحل بها.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ ) رواه مسلم (2014) . 

قال أبو العباس القرطبي ، رحمه الله ، في "المفهم شرح صحيح مسلم" : 
" قوله : ( غطُّوا الإناء ، وأوكُوا السقاء ) ؛ جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية ، كقوله تعالى :  وأشهدوا إذا تبايعتم . وليس الأمر الذي قُصِد به الإيجاب ، وغايته أن يكون من باب الندب ، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسمًا منفردًا بنفسه عن الوجوب والندب ." انتهى. 
وقال النووي رحمه الله : 
" وذكر العلماءُ للأمرِ بالتَّغطيةِ فوائد، منها الفائدتان اللتان وردتا في هذه الأحاديث، وهما: صيانته مِن الشَّيطان؛ فإن الشَّيطان لا يكشف غطاءً، ولا يحلُّ سقاء، وصيانتُه من الوباء الذي ينزل في ليلةٍ من السَّنة. والفائدة الثالثة: صيانته من النجاسة والمقذرات.
والرابعة: صيانته من الحشرات والهوام، فربما وقع شيءٌ منها فيه، فشربَه وهو غافل، أو في الليل؛ فيتضرر به. والله أعلم." انتهى، من "شرح مسلم" (13/265) . 
ثانيا:
إذا نسي المسلم الإناء بدون غطاء، فإنه يستعمل ما فيه من طعام أو شراب ولا يرميه، وهذا ما يشير إليه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: (  كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا نَسْقِيكَ نَبِيذًا؟
فَقَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسْعَى، فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ عُودًا! قَالَ: فَشَرِبَ ) رواه مسلم (2011).
وقال أبو العبّاس القرطبي رحمه الله تعالى:
" وشربه صلى الله عليه وسلم من الإناء الذي لم يُخَمَّر دليل على أن ما بات غير مخمَّر، ولا مُغطَّى أنه لا يحرم شربه، ولا يكره " انتهى، من "المفهم" (5 / 284).

ولأن السنة لم تأمر إلا بتغطية الأواني.
قال أبو داود رحمه الله تعالى :
"  قلت لأحمد: الماء المكشوف يتوضأ منه؟
قال: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطى -يعني: الإناء- لم يقل: لا يتوضأ به " انتهى، من " مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني" (ص 9).

فالذي ينبغي للمسلم أن يتوكل على الله تعالى ، ويتناول ما في الإناء، ولا يرميه لأجل الشك .  وينبغي أيضا أن يواظب على أدعية الصباح والمساء فهي حصن له من كل ما يضر في الدين والدنيا؛ ومن ذلك:
عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ) رواه الترمذي (3388) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ"، ورواه أبو داود (5088).
ثالثا:
الأمر ( غَطُّوا الْإِنَاءَ )، الإناء هنا قد جاء مفسرا في روايات أخرى بأن المقصود منه ما فيه من الطعام والشراب.
عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأَبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ - وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرُضُهُ عَلَيْهِ ) رواه البخاري (5624).
لكن ورد في لفظ لمسلم: ( لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ ) ؛ وهذا قد يشمل – بظاهره - : الإناء الفارغ ، أيضا . 
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:
" يظهر أن المرادَ من تخمير الإناء : أن فيه شيئاً . 
ويشهد له : روايةُ همَّام وعطاء، عن جابر في حديث ذكره: ( خمِّروا الطعامَ والشرابَ )، قال همَّام: وأحسَبُه: ( ولو بعود )، أخرجه البخاري.
ويليق بالظاهرية أن لا يخصوه بذلك، إذ ليس في لفظ هذا الحديث تخصيصٌ بإناءٍ فيه شيء.  وليس هذا، ولا بدَّ، من مُشَنَّعات الظاهرية، فإنه سيأتي التعليلُ بنزول وَباءٍ في ليلة في السنة، وأنه لا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلا نزل فيه من ذلك الوَباء . 
فإذا كان هذا هو العلة فلا يختص ذلك بإناء فيه شيء، فقد يكون نزولُ الوباء في الإناء الفارغ مُضِرًّا عند استعمال شيء يكون بعد ذلك فيه ..." انتهى، من "شرح الإلمام" (2 / 581).

وقد رود حديث جابر عند مسلم أيضا (2012) بلفظ : (جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنَّهُ، قَالَ: وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ، أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ . 

قال الباجي رحمه الله : " وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَكْفِئُوا الْإِنَاءَ مَعْنَاهُ اقْلِبُوهُ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خَمِّرُوا الْإِنَاءَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ الرَّاوِي . 
وَالْأَظْهَرُ : أَنَّهُ لَفْظُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَكْفِئُوهُ إنْ كَانَ فَارِغًا، أَوْ خَمِّرُوهُ إنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْمَمْلُوءِ أَوْ يَتْبَعَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْفَارِغِ مِنْ بَقِيَّةٍ، أَوْ رَائِحَةٍ." انتهى، من "المنتقى شرح الموطأ" (7/241) . 


وعلى كل حال : فالأحوط في الإناء الفارغ أن يغطى ، ولا مشقة في ذلك . 
ولو ترك مكشوفا ، من غير غطاء ، فغسله أحسن ، إن أمكن . 
وإذا لم يفعل شيئا من ذلك ، فقد سبق أنه لا يحرم الانتفاع بما يوضع فيه بعد ذلك من طعام أو شراب ، بل ولا يكره أيضا . 

رابعا:
كون إناء الطعام والشراب في بيت مغلق؛ فإن ذلك لا يكفي كما أشارت إلى ذلك السنة، فإن من شأن الآنية ، وما فيها من الطعام والشراب : أن يكون في بيت له سقف وباب ، ولا يكون في الشارع ، أو المكان العراء . 
وقد جاء الأمر بتغطية الآنية مع غلق الباب في نص واحد ، مما يدل على أن غلق الباب وحده لا يكفي.
عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ ) رواه مسلم (2012).

وأما حفظ الطعام والشراب في الدواليب المخصصة لهما أو في الثلاجات، فهذا في عرف الناس يحفظ الطعام من أن يلحقه أذى، ونرجو أن يكون ذلك كافيا في إصابة الأدب النبوي في ذلك . 
ولو احتاط المرء ، فوضع على الإناء غطاءه الخاص ، ولو كان في الثلاجة أو الدولاب ، فهو أحسن وأسلم ، على كل حال . 

خامسا:
لا تخمّر الآنية أثناء الأكل والشرب؛ لأن ذلك غير ممكن عادة ، ولم تأت به السنة أصلا ، ولا يعمل الناس بمثل ذلك ؛ فهو إلى التنطع والتكلف أقرب منه إلى إصابة السنة . 
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:
" كل واحد من الاحترازين؛ أعني: الديني والدنيوي : المحمودُ منه : مقدار معلوم، متى جاوزه الإنسانُ : خرج في حيّز الذم . 
فالاحتراز في الطهارات : يُحْمد منه الورع . 
والإفراط في ذلك يخرج إلى حد الوسوسة والغلوّ في الدين . 
وكذلك الاحتراز عن المؤذيات الدنيوية : يُخرِج إفراطُه إلى ضعف التّوكّل ، وشدة الإغراق في التعلُّق بالأسباب، وهو مذموم، و( قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا )..." موقع الاسلام سؤال وجواب للشيخ الدكتور محمد صالح المنجد"


في هذا الحديثِ عِدَّة آدابٍ أمَرَ بِها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لحِكمٍ جليلةٍ، ومِن أجلِ السَّلامةِ والوِقايةِ من الأَوبئةِ والأمراضِ
فقولِهِ: (غَطُّوا الإِنَاءَ)، أي: ضَعُوا غِطاءً علَى كلِّ إِناءٍ فيهِ طعامٌ أوْ شرابٌ، وقوله: (وَأَوْكُوا السِّقَاءَ)، وَ"الإِيكَاءُ": الشَّدُّ والرَّبْطُ، والوِكاءُ: هو ما يُشَدُّ بهِ فَمُ القِرْبةِ، والمرادُ بالسِّقاءِ: ما يُوضَعُ فيهِ الماءُ أو اللَّبِنُ ونحوُ ذَلِكَ، وتِلكَ الأَوامرُ مِن أَجْلِ أنَّ في السَّنةِ ليلةً- وقيلَ: يومًا- ينزِلُ فيها وَباءٌ، و"الوَباءُ": مَرضٌ عامٌّ يُفضي إلى الموتِ غالِبًا، وهذا المرضُ لا يَمرُّ بإِناءٍ ليسَ عليه غِطاءٌ، أوْ سِقاءٍ ليسَ عليه وِكاءٌ، إلَّا نزَلَ فيهِما وأَصابَهُما هذا المرضُ.
وفي هذا الحديثِ: أنَّ مَنِ امتَثَلَ لهذِه الأَوامِرِ سلِمَ من الضَّررِ بِحوْلِ اللهِ وقُوَّتِهِ.

وفيه: مَشروعيَّةُ الأخذُ بالأسبابِ مع التوكُّلِ الكاملِ على اللهِ تعالى

"الدرر السنية"



18-باب: في شرب العسل والنبيذ واللبن والماء

1288. عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ الْعَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَالْمَاءَ وَاللَّبَنَ.(2008/89)

الشرح

 قال تعالي  (ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) ) سورة النحل 

وقال تعالي ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) سورة المائدة

وقال تعالي ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)) سورة الانبياء

وقال تعالي (  وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ (66)) سورة النحل


1289. عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ فَحَلَبْتُ لَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.(2009/91)

الشرح

واللبن شراب لنا فيه عبره وايه  من ايات الله

قال تعالي (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ (66)) سورة النحل

وقال تعالي فس سورة المؤمنون الايه ٢١

(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)  سورة المؤمنون  ايه ٢١

وفي تفسير بن كثير للأية

يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي بحسب الحاجة لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها الأرض الجرز يسوق اللّه إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور، وقوله: { فأسكناه في الأرض} أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية إليه، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى، وقوله: { وإنا على ذهاب به لقادرون} أي لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا، ولو شئنا أذى لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجاً لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذباً فراتاً زلالاً، فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، ويسقي به الزروع والثمار، تشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون منه وتتنظفون، فله الحمد والمنة. وقوله تعالى: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب} يعني فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين وحدائق { ذات بهجة} أي ذات منظر حسن، وقوله: { من نخيل وأعناب} أي فيها نخيل وأعناب، وهذا ما كان يألف أهل الحجاز ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم عندهم من الثمار من نعمة اللّه عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره، وقوله: { لكم فيها فواكه كثيرة} أي من جميع الثمار، كما قال: { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} ، وقوله: { ومنها تأكلون} معطوف على شيء مقدر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون، وقوله: { وشجرة تخرج من طور سيناء} يعني الزيتونة، والطور هو الجبل، وقال بعضهم: إنما يسمى طوراً إذا كان فيه شجر، فإذا عري عنها سمي جبلاً لا طوراً واللّه أعلم. { وطور سيناء} هو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى بن عمران عليه السلام وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون، وقوله: { تنبت بالدهن} أي تنبت الدهن، كما في قول العرب: ألقى فلان بيده أي يده، ولهذا قال: { وصبغ} أي أدم قاله قتادة { للآكلين} أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة) ""أخرجه الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدي مرفوعاً"". وروى عبد بن حميد في مسنده عن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة). وقوله: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون} يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها، ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم} ، وقال تعالى: { وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم منافع ومشارب أفلا يشكرون} .

اذن فالالبان شراب موزون كما خلقة الله تعالي  وما يجعل الالبان لها اثار جانبية هو تدخل الانسان ،،، والصناعات التي تقوم عليه بعزل عناصر منه او زيادة التخمير او المعاملات التي قد تؤثر علي تركيبة الموزون


1290. عن أَبي هُرَيْرَةَ إِنَّ النَّبِيَّ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. (2009/92)

الشرح

واللبن من الفطرة وبركة 

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (مَن أطعمَهُ اللَّهُ طعامًا، فليقلِ اللَّهمَّ بارِكْ لَنا فيهِ، وارزُقنا خيرًا منهُ، ومن سقاهُ اللَّهُ لبنًا، فليقلِ اللَّهمَّ بارِكْ لَنا فيهِ، وزِدنا منهُ، فإنِّي لا أعلمُ ما يجزئُ منَ الطَّعامِ والشَّرابِ، إلَّا اللَّبنُ) صحيح بن ماجه 

قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا أَكَلَ أحدُكم طعامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لنا فيه"، أي: اجعَلْ لنا فيه الخيرَ بالزِّيادةِ والنَّماءِ، "وأطعِمْنا خيرًا منه"، أي: وارْزُقْنا ما هو أفضلُ منه، "وإذا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لنا فيه، وزِدْنا منه"؛ فإنَّه ليس شيءٌ يُجزِئُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، أي: يَصْلُحُ مَقامَ الأكْلِ إذا جاع الإنسانُ ويصلُحُ مقامَ الشُّرْبِ إذا عطِش "إلَّا اللَّبَنُ".
وفي الحديثِ: بيانٌ لأفضليَّةِ اللَّبَنِ وما فيه مِن فائدةٍ تَجمَعُ بين كَوْنِهِ طعامًا لِمَنْ أراد الطَّعامَ، وشرابًا لِمَنْ أراد الشَّرابَ.

 

19-باب: الشرب في القدح

1291. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ قَالَ قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي فَقَالُوا لَهَا أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا فَقَالَتْ لَا فَقَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ جَاءَكِ لِيَخْطُبَكِ قَالَتْ أَنَا كُنْتُ أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ قَالَ سَهْلٌ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ اسْقِنَا لِسَهْلٍ قَالَ فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ هَذَا الْقَدَحَ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا فِيهِ قَالَ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَوَهَبَهُ لَهُ.(2007/88)

 

20-باب: النهي عن اختناث الأسقية

1292عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَفْوَاهِهَا. و في رواية: وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يُقْلَبَ رَأْسُهَا ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ.(2023/111)

الشرح

112- باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم

1/761- عن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ. يعني: أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُها، وَيُشْرَب مِنْهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.

2/762- وعن أَبي هريرة  قَالَ: نَهَى رَسُول اللَّه ﷺ أَن يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقاءِ أَو القِرْبةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.

3/763- وعن أُمِّ ثابِتٍ كَبْشَةَ بِنْتِ ثَابتٍ -أُخْتِ حَسَّان بْنِ ثابت رضي اللَّه عنه وعنها- قالت: دخَل علَيَّ رسولُ اللَّه ﷺ، فَشَرِبَ مِن فِي قِرْبةٍ مُعَلَّقةٍ قَائمًا، فَقُمْتُ إِلى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.


فهذه الأحاديث الثلاثة فيها الحثّ على عدم الشرب من في السقاء والقربة ونحوهما إلا عند الحاجة؛ لأنَّ ذلك قد يُفضي إلى أن يشرب منها وربما كان في الماء شيء يُؤذيه، فالسنة أن يُفرغ من القربة والسقاء ونحو ذلك في الإناء ويشرب؛ حتى يكون على بصيرةٍ بما يشرب، لكن إذا كانت هناك حاجة: كأن لا يجد إناءً أو نحو ذلك فلا بأس أن يشرب من في السقاء، كما في حديث كبشة أم ثابت الأنصارية رضي الله عنها، وأن النبي ﷺ دخل عليها ذات يومٍ ..... القربة وشرب قائمًا عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ ذلك لأسباب عدم وجود الإناء، أو ليعلم الحاضرون وغيرهم أنه يجوز عند الحاجة، لكن تركه أولى، لكن إذا دعت الحاجةُ إليه فلا بأس، وإلا فالسنة صبّه، وأن يصبّ القربة أو السقاء في الإناء ثم يشرب، واختناث الأسقية معناه: كسر أفواهها .....

وفي حديث كبشة أيضًا فائدة، وهي أنه لا بأس بالشرب قائمًا، وإن كان الشرب جالسًا أفضل وأولى، لكن يجوز الشرب قائمًا، ولا سيما إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك؛ لعجلةٍ أو لكون الأرض غير مناسبةٍ للجلوس فيها، أو لأسبابٍ أخرى، وقد ثبت أنه ﷺ شرب قائمًا من زمزم، وثبت من حديث عليٍّ أنه شرب قائمًا وقاعدًا، فالنهي عن الشرب قائمًا نهي تنزيه وكراهة، والسنة القعود، إلا عند الحاجة، ولا مانع أن يشرب قائمًا لعجلةٍ، أو كون الأرض غير مناسبةٍ للجلوس فيها، أو لأسبابٍ اقتضت ذلك، وهذا كله يتعلق بالآداب الشرعية في الشرب، وقد تقدمت أحاديث متعددة في الآداب الشرعية في الأكل والشرب جميعًا.

"الشيخ بن باز"

 

21-باب: النهي عن الشرب فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ

1293 عن عَبْد اللَّهِ بْن عُكَيْمٍ قَالَ كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ فَاسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ بِشَرَابٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ وَقَالَ إِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَلْبَسُوا الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ و حَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.(2067/4)

 

1294. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَ  ا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ. و في رواية: "أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ…".(2065/1)


الشرح

 تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة

في الأكل والشرب والطهارة وسائر وجوه الاستعمال

1795- عَنِ أمِّ سَلَمَةَ رضي اللَّه عنها أنَّ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ : « الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَار جَهَنَّمَ » متفقٌ عليه .

 وفي روايةٍ لمُسْلمٍ : « إنَّ الَّذِي يَأكُلُ أوْ يَشْربُ في آنيةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَب » .

1796- وعنْ حُذَيْفَةَ رضي اللَّه عَنْهُ قالَ : إنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَهَانَا عَنِ الحَرِيرِ ، والدِّيباجِ ، وَالشُّرْب في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وقال : « هُنَّ لهُمْ في الدُّنْيَا وَهِيَ لَكُمْ في الآخِرةِ » متفقٌ عليهِ .

وفي روايةٍ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي اللَّه عَنْهُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ : « لا تَلْبِسُوا الحَرِيرَ وَلا الدِّيبَاجَ ، ولا تَشْرَبُوا في آنيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ وَلا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا» .

1797- وعَنْ أنس بن سِيرينَ قال : كنْتُ مَع أنَسِ بن مالك رضي اللَّه عنْهُ عِنْد نَفَرٍ مِنَ  المجُوسِ ، فَجِيءَ بفَالُودَجٍ عَلى إنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ ، فَلَمْ يأكُلْهُ ، فَقِيلَ لَهُ حوِّلهُ فحوَّلَه عَلى إنَاءٍ مِنْ خَلَنْج ، وجِيءَ بِهِ فأَكَلَهُ . رواه البيهقي بإسْنادٍ حَسنٍ .

وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15)

وقوله: ( وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا )  سورة الانسان 
يقول تعالى ذكره: ويُطاف على هؤلاء الأبرار بآنية من الأواني التي ط فيها شرابهم، هي من فضة كانت قواريرًا، فجعلها فضة، وهي في صفاء القوارير، فلها بياض الفضة وصفاء الزجاج.