28 من حديث (نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية
112- باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا تحريم
1/761- عن أَبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنهقَالَ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ. يعني: أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُها، وَيُشْرَب مِنْهَا. متفقٌ عَلَيْهِ.
2/762- وعن أَبي هريرة قَالَ: نَهَى رَسُول اللَّه ﷺ أَن يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقاءِ أَو القِرْبةِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
3/763- وعن أُمِّ ثابِتٍ كَبْشَةَ بِنْتِ ثَابتٍ -أُخْتِ حَسَّان بْنِ ثابت رضي اللَّه عنه وعنها- قالت: دخَل علَيَّ رسولُ اللَّه ﷺ، فَشَرِبَ مِن فِي قِرْبةٍ مُعَلَّقةٍ قَائمًا، فَقُمْتُ إِلى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث الثلاثة فيها الحثّ على عدم الشرب من في السقاء والقربة ونحوهما إلا عند الحاجة؛ لأنَّ ذلك قد يُفضي إلى أن يشرب منها وربما كان في الماء شيء يُؤذيه، فالسنة أن يُفرغ من القربة والسقاء ونحو ذلك في الإناء ويشرب؛ حتى يكون على بصيرةٍ بما يشرب، لكن إذا كانت هناك حاجة: كأن لا يجد إناءً أو نحو ذلك فلا بأس أن يشرب من في السقاء، كما في حديث كبشة أم ثابت الأنصارية رضي الله عنها، وأن النبي ﷺ دخل عليها ذات يومٍ ..... القربة وشرب قائمًا عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ ذلك لأسباب عدم وجود الإناء، أو ليعلم الحاضرون وغيرهم أنه يجوز عند الحاجة، لكن تركه أولى، لكن إذا دعت الحاجةُ إليه فلا بأس، وإلا فالسنة صبّه، وأن يصبّ القربة أو السقاء في الإناء ثم يشرب، واختناث الأسقية معناه: كسر أفواهها .....
وفي حديث كبشة أيضًا فائدة، وهي أنه لا بأس بالشرب قائمًا، وإن كان الشرب جالسًا أفضل وأولى، لكن يجوز الشرب قائمًا، ولا سيما إذا دعت الحاجةُ إلى ذلك؛ لعجلةٍ أو لكون الأرض غير مناسبةٍ للجلوس فيها، أو لأسبابٍ أخرى، وقد ثبت أنه ﷺ شرب قائمًا من زمزم، وثبت من حديث عليٍّ أنه شرب قائمًا وقاعدًا، فالنهي عن الشرب قائمًا نهي تنزيه وكراهة، والسنة القعود، إلا عند الحاجة، ولا مانع أن يشرب قائمًا لعجلةٍ، أو كون الأرض غير مناسبةٍ للجلوس فيها، أو لأسبابٍ اقتضت ذلك، وهذا كله يتعلق بالآداب الشرعية في الشرب، وقد تقدمت أحاديث متعددة في الآداب الشرعية في الأكل والشرب جميعًا. وفَّق الله الجميع.
113- باب كراهة النَّفخ في الشَّراب
1/764- عن أَبي سعيدٍ الخدريِّ : أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ النَّفخِ في الشَّرابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: القذَاةُ أَراها في الإِناءِ؟ فقال: أَهْرِقْهَا، قال: فإِني لا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: فَأَبِنِ القَدَحَ إِذًا عَنْ فِيكَ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
2/765- وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما: أن النَّبيَّ ﷺ نَهَى أَن يُتنَفَّسَ في الإِنَاءِ، أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
114- باب بيان جواز الشرب قائِمًا وبيان أنَّ الأكمل والأفضل الشرب قاعدًا فِيهِ حديث كبشة السابق.
1/766- وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: سَقَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائمٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.
2/767- وعن النَّزَّال بنِ سبْرَةَ قَالَ: أَتَى عَلِيٌّ بَابَ الرَّحْبَةِ فَشَرِب قَائمًا، وقالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كما رَأَيْتُمُوني فَعَلْتُ. رواه البخاري.
الشيخ: هذه الأحاديث الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيها الدلالة على أحكام: منها شرعية فصل الإناء عن الفم عند التنفس، وكراهة التنفس في الإناء، وأن السنة للمؤمن إذا أراد التنفس أن يفصل القدح عن فيه كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يتنفس ثلاثًا عليه الصلاة والسلام في الشراب، ويفصل القدح عن فيه، هكذا ينبغي ألا يتنفس في الإناء، وألا يُنفخ فيه، ولكن يفصله عن فمه ويتنفس، والسنة أن يكون ذلك ثلاثًا، وإن شرب بنفسٍ واحدٍ أو نفسين فلا بأس، لكن ترك ذلك أولى؛ لأن ذلك يُشبه شرب البهائم عبًّا.
وفي الحديث الدلالة على أنه ينبغي للمؤمن أن يتحرى ما هو الأفضل في الشرب، فيشرب .....، ويكون قاعدًا، هذا هو الأفضل، وإن شرب قائمًا فلا حرج، وقد نهى النبي عن الشرب قائمًا، وفعل ذلك في زمزم وفي مواضع أخرى؛ ليدل الأمة على أن النهي ليس للتحريم، ولكنه للكراهة، فإذا دعت الحاجةُ إلى الشرب قائمًا فلا حرج، والشرب قاعدًا هو السنة، وهو أهنأ وأمرأ، فشرب قائمًا في زمزم عليه الصلاة والسلام، وأخبر عليٌّ : أن النبي شرب قائمًا، وهكذا كبشة بنت ثابت الأنصارية -تقدم حديثها- أنه دخل عليها ﷺ وشرب من قربتها وهو قائم عليه الصلاة والسلام، فدلَّ ذلك على أن النهي ليس للتحريم، بل للكراهة، وترك الأولى، فالشرب قائمًا جائز، وكونه قاعدًا أهنأ وأمرأ، أفضل وأولى، وكونه عن ثلاثة أنفاسٍ أفضل، مع فصل الإناء عن فمه، هكذا السنة في الشراب، مع كونه يشرب بيمينه، ولا ينفخ في الإناء. وفَّق الله الجميع.
116- باب جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة، وجواز الكرع؛ وَهُوَ الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناءٍ ولا يد، وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطَّهارة وسائر وجوه الاستعمال.
1/773- عنْ أَنسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَامَ مَنْ كانَ قَريب الدَّارِ إِلى أَهْلِهِ، وبقِي قَوْمٌ، فَأَتَى رسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِن حِجَارَةٍ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَن يبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلّهُمْ، قَالُوا: كَم كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِين وزِيادة. متفقٌ عليه، هذه رواية البخاري.
وفي روايةٍ لَهُ ولمسلم: أَنَّ النبيَّ ﷺ دَعا بِإِناءٍ مِنْ ماءٍ، فأُتِيَ بِقَدحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنس: فَجعَلْتُ أَنْظُرُ إِلى الماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصابِعِه، فَحزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينِ إِلى الثَّمَانِينَ.
1/774- وعن عبداللَّه بنِ زيدٍ قَالَ: أَتَانا النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً في تَوْرٍ مِنْ صُفرٍ فَتَوَضَّأَ. رواه البخاري.
2/775- وعن جابرٍ رضي اللَّهُ عنه: أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ ومَعهُ صاحبٌ لَهُ، فقالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ في شَنَّةٍ وَإلَّا كَرعْنا رواه البخاري.
الشيخ: هذه الأحاديث وما يأتي بعدها كلها تتعلق بجواز الشرب والأكل في جميع الأواني: من خشبٍ، من حجارةٍ، من حديدٍ، من نحاسٍ -وهو الصفر- وغير ذلك من الأنواع والأجناس كالجلد الطاهر ونحو ذلك، وتحريم الأكل والشرب وسائر وجوه الاستعمال في أواني الذهب والفضة .....
ومن ذلك حديث أنسٍ : أن الناس حضرهم الوضوء عند النبي ﷺ، فمَن كان أهله قريبًا قام إليهم للوضوء، وبقي أناس، فجيء للنبي ﷺ بقدحٍ من حجارةٍ ضاق عن يده عليه الصلاة والسلام، فجعل أصابعه فيه، وفيه ماء قليل، وجعل ينبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام حتى توضَّؤوا عن آخرهم، كانوا سبعين أو ثمانين، هذا يدل على معجزةٍ من معجزات النبي ﷺ: نبع الماء من بين أصابعه، وقد وقع له غير مرة في السفر والحضر، وهو من الدلائل والمعجزات الدالة على أنه رسول الله حقًّا عليه الصلاة والسلام، والدالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه فعال لما يريد : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].
ومن جنسه الحجر الذي كان مع موسى، وكان ينبع منه الماء ثنتي عشرة عينًا لبني إسرائيل .....، آيات الله كثيرة، وهذه المعجزات العظيمة للرسول ﷺ من جملة المعجزات الدالة على صدقه: كانشقاق القمر، ونزول البركة في الطعام والشراب، ونبوع الماء من بين أصابعه، ورجوع الماء في بئر الحديبية، وفي بئرٍ في تبوك، إلى غير ذلك مما وقع له عليه الصلاة والسلام.
وفي الحديث الثاني -حديث عبدالله بن زيد- أنهم توضَّؤوا مع النبي ﷺ، أخرجوا له ماءً في تورٍ من صفر، التور يعني: الإناء من صفرٍ، يعني: أصفر يُشبه الذهب وليس بالذهب، هذا يدل على جواز استعمال الأواني الصفراء، وأواني الحديد والنحاس والحجارة، لا حرج في ذلك.
كذلك حديث جابر: أن النبي ﷺ دخل على بعض الأنصار وقال: إن كان عندكم ماء بات في شنة يعني: فاسقنا وإلا كرعنا، فدل على جواز الكرع ..... الساقي ونحوه يشرب منه، لا حرج في ذلك، وإذا أخذ بيديه وشرب، أو في إناء وشرب، كل ذلك جائز، وقد تدعو الحاجة إلى الكرع من كون اليدين غير صالحتين للشرب؛ فيها من وسخٍ أو غير ذلك.
فالحاصل أن الشرب في الإناء باليدين أفضل كما هو العادة .....، وإذا دعت الحاجةُ إلى الكرع فلا حرج في ذلك، وهو الشرب من النهر، أو من الساقي، أو من ..... ونحو ذلك، تأتي بقية الأحاديث إن شاء الله فيما ذكره المؤلف.
وفَّق الله الجميع، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ.
3/776- وعن حذيفة قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَانَا عَن الحَرير والدِّيبَاجِ، والشُّرْبِ في آنِيةِ الذَّهَب والفِضَّةِ، وقال: هِيَ لهُمْ في الدُّنْيا، وهِيَ لَكُمْ في الآخِرَةِ متَّفقٌ عليه.
4/777- وعن أُمِّ سلمة رضي اللَّه عنها: أَنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إِنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي روايةٍ لمسلم: إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ.
وفي روايةٍ لَه: مَنْ شَرِبَ في إِناءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فضةٍ فَإِنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ.
الشيخ: هذه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام تدل على تحريم أواني الذهب والفضة، والشرب فيها، والأكل، والطهارة، وسائر وجوه الاستعمال.
يقول عليه الصلاة والسلام: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا يعني: للكفرة، ولكم في الآخرة، والله جلَّ وعلا ادَّخرها للمؤمنين في دار الكرامة، في دار النعيم، وحرَّم عليهم استعمالها في هذه الدار؛ دار الابتلاء والامتحان، ودار العمل، ودار الإعداد للآخرة، فهي لا تجوز للمسلمين في هذه الدار، لا رجال، ولا نساء، ليس لأحدٍ أن يستعمل أواني الذهب والفضة، ومن ذلك الملاعق والأكواب التي يصبّ فيها الشاي والقهوة، وكل ما يُستعمل في أكلٍ وشربٍ أو شبه ذلك، لا تتخذ أواني للزينة، أو في المجالس، الأباريق أو غير ذلك، كل ذلك لا يجوز، أو قلال، كل ذلك لا يجوز؛ لعموم النهي.
ومن ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها: يقول عليه الصلاة والسلام: الذي يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نار جهنم، وفي حديث ابن عمر يقول ﷺ: الذي يشرب في إناء الذهب والفضة -أو في إناء فيه شيء من ذلك- فإنما يُجرجر في بطنه نار جهنم، هذا يُبين لنا تحريم هذه الأشياء للرجال والنساء، بخلاف الحلية من الذهب والفضة فإنه مباح للنساء: كالأسورة والخواتم والقلائد ونحو ذلك، أما الأواني فلا، تحرم على الجميع، وهكذا الحرير مباح للنساء دون الرجال، وأما الأواني من الذهب والفضة فمحرمة على الجميع؛ على الرجال والنساء جميعًا.
وقال عليه الصلاة والسلام: إنها لهم في الدنيا يعني: الكفرة، ولكم في الآخرة، استثنى أهلُ العلم من ذلك الضبّة اليسيرة من الفضة في ..... القدح إذا شعب، قالوا: يُستثنى من ذلك؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ لما انشعب قدحه ..... بسلسلةٍ من فضةٍ كما قال أنس ..... جبره بسلسلةٍ من فضةٍ، هذا يدل على أنَّ مثل هذا لا بأس به، الشيء اليسير من الفضة خاصةً إذا وقع خرق في القدح أو كسر .....؛ لأنَّ الفضة أسهل من الذهب وأيسر، وأما ما يتساهل فيه الناس من اتّخاذ بعض الملاعق أو الأكواب أو الفناجين أو غير ذلك من الذهب أو الفضة، أو تمويهها بشيءٍ من ذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه ..... داخل فيه النهي.
