-22باب:
إذا شرب فالأيمن أحق
1295. عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دَارِنَا فَاسْتَسْقَى
فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِي هَذِهِ قَالَ فَأَعْطَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ
عَنْ يَسَارِهِ وَعُمَرُ وِجَاهَهُ وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا فَرَغَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شُرْبِهِ
قَالَ عُمَرُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُرِيهِ إِيَّاهُ فَأَعْطَى رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ الْأَعْرَابِيَّ
وَتَرَكَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَيْمَنُونَ
الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ قَالَ أَنَسٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ سُنَّةٌ فَهِيَ
سُنَّةٌ.(2029/126)
الشرح
علَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمَّتَه الخيرَ والهَدْيَ القَويمَ، ومِن ذلك البَدْءُ باليَمينِ في الأفعالِ الَّتي فيها اختيارٌ بيْن اليمينِ والشِّمالِ؛ فاليَمينُ جِهةٌ مُبارَكةٌ في مُسمَّاها؛ فأهلُ اليَمينِ همْ أهلُ الجنَّةِ.
وفي هذا الحديثِ يَحكي أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءهُمْ في دارِهم، فطَلَبَ أنْ يَشرَبَ، فحَلَبوا له شاةً، ثمَّ خلَطَ أنسٌ اللَّبَنَ بماءٍ مِن بِئرٍ في بَيتِهم، ثمَّ أعطاهُ له صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه عن يَسارِه، وعُمرُ رَضيَ اللهُ عنه أمامَهُ، وأعرابيٌّ -وهو مَن يَسكُنُ الصَّحراءَ مِن العرَبِ- عَن يَمينِه، فشَرِب صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا فرَغَ قال عمَرُ رَضيَ اللهُ عنه: «هذا أبو بَكرٍ»، أيِ: أعْطِ فضْلَكَ يا رَسولَ اللهِ لأبي بَكرٍ، فأعطَى صلَّى الله عليه وسلَّم ما بَقيَ للأعرابيَّ.
ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «الأيمَنُون الأيمَنون»، أيْ: إنَّهم مُقَدَّمون، «ألَا فيَمِّنوا» وهو أمرٌ بتَقديمِ مَن في جِهةِ اليمينِ، وهو تَأكيدٌ بعْدَ تَأكيدٍ. قال أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه: فهي -أي: البَدَاءةُ بالأيمَنِ- سُنَّةٌ، فهي سُنَّةٌ، فهي سُنَّةٌ، وكرَّرها ثَلاثًا بَيانًا لأهمِّيَّتِها، وتَأكيدًا على الأمرِ.
وفي حَديثِ البُخاريِّ مِن حَديثِ سَهْلِ بنِ سَعدٍ السَّاعديِّ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بشَرابٍ، فشَرِبَ منه وعن يَمينِه غُلامٌ -وهو ابنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما-، وعن يَسارِه الأشياخُ، فقال للغُلامِ: «أتَأذَنُ لي أنْ أُعطِيَ هؤلاء؟» فقال الغلامُ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، لا أُوثِرُ بنَصيبي منكَ أحدًا، قال: فتَلَّه -أي: وَضَعَه- رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في يَدِه. فاستَأذَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ابنَ عبَّاسٍ؛ لأنَّه عن يَمينِه، وهو الأحقُّ بالبَداءةِ، ولم يَستأذِنِ الأعرابيَّ في هذا الحديثِ في أنْ يُعطِيَ أبا بَكرٍ؛ ليَتألَّفَ الأعرابيَّ بذلك؛ لقُربِ عَهدِه بالإسلامِ، أو لئلَّا يَظُنَّ الأعرابيُّ به غَضاضةً منه، وتَقصيرًا في حقِّه مع أنَفةِ الجاهليَّةِ، وجَفاءِ الأعرابِ، وقدِ استَأذنَ ابنَ عبَّاسٍ بدَفْعِ الشَّرابِ للأشياخِ والكُبراءِ مِن آلِه وقَومِه؛ ثِقةً مِنه بطِيبِ نفْسِه باستئذانِه، ولاسْتِئلافِ الأشياخِ أيضًا بهذا الاستئِذانِ وتَعريفِ الحُكمِ -بأنَّه لا يُصرَفُ عنه إلَّا بإذنِه- لِمَن لم يكُنْ عَلِمَه منهم.
وأمَّا ما ورَدَ مِن نُصوصٍ في تَقديمِ الكبيرِ، فلا تَعارُضَ بيْنها وبيْن البَدْءِ باليمينِ؛ إذ تَقديمُ الكبيرِ يكونُ عندَ التَّساوي في جَميعِ الأوصافِ، فيُقدَّمُ الكبيرُ، كما لو تَساوَوا في المجلسِ بأنْ جَلَسوا على غيرِ تَرتيبٍ، فيُبدَأُ عندَها بالكبيرِ، أمَّا لو جَلَسوا مُرتَّبِين، فمَن على اليمينِ أَولى وأحقُّ مِن الكبيرِ.
وفي الحديثِ: أنَّ السُّنَّةَ لِمَن استَسْقَى أنْ يَسقيَ الَّذي عن يَمينِه، وإنْ كان الَّذي عن يَسارِه أفضَلَ ممَّن جلَسَ عن يَمينِه
23-باب: في استئذان الصغير في إعطاء الشيوخ
1296.
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ
فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ فَقَالَ لِلْغُلَامِ
أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْغُلَامُ لَا وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ
بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ.(2030/127)
في هذا الحديثِ بيَّنَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أدبًا مِن آداب الشُّرب؛ فالنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعدما شرِب كان عن يمينِه غلامٌ صغيرٌ، قيل: إنَّه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وعن يسارِه الأشياخُ الكِبارِ مِن الصَّحابةِ رضوان الله عليهم، فاستأذَن النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الغلامَ في أن يُعطيَ الشَّرابَ الأشياخَ؛ لأنَّهم كانوا عن يساره، فرفَض الغلامُ، وقال: لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحدًا، فبيَّنَ الغلامُ العِلَّةَ في عدم الإيثارِ، وأنَّه ليس كونه شرابًا، وإنَّما هو لحلولِ أثَرِ بركتِه صلَّى الله عليه سلَّمَ عليه؛ لكونِه ما فضَل مِن شرابِه، وذلك محلُّ تنافُسِ أصحاب الهِمَمِ؛ فلذا عبَّر بقولِه: بنصيبي منك، أي: مِن أثَرِ بركتِك، فتَلَّه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في يدِه، أي: أعطاه الشَّرابَ في يدِه.
وفي الحديث: حُسن أدب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وطيب عِشرتِه لأصحابِه.
24-باب: النهي عن التَنَفّس فِي الْإِنَاءِ
1297. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ
فِي الْإِنَاءِ.
(2027/121)
الشرح
" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتنفس في الإناء ، وأن ينفخ فيه " وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث ، وكذا النهي عن التنفس في الإناء لأنه ربما حصل له تغير من النفس إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلا ،
أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة
أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة
والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس
قال صلي الله علية وسلم (إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فلا يَتَنَفَّسْ في الإنَاءِ)
كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحسَنَ النَّاسِ تَعليمًا وتَربيةً، وقدْ علَّمَ أُمَّتَه كلَّ شيءٍ يَنفعُها، ومِن ذلِك تعليمُه آدابَ الطَّعامِ والشَّرابِ وحتي قَضاءِ الحاجةِ علمهم أدابها
كما في هذا الحديثِ، حيثُ نَهى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَنِ التَّنفُّسِ في الإناءِ عِندَ الشُّربِ، فإذا أراد أنْ يَتنفَّسَ أثْناءَ الشُّربِ فلْيتنفَّسْ بَعيدًا عنِ الإِناءِ وهوَ مُمسِكٌ بهِ في يَدِهِ
وعلة ذلك :
* لِئلَّا يَستقذِرَه غيرُه، فَتمتنِعَ نفْسُه عَنِ الشُّربِ مِن هذا الإناءِ
وحتَّى لا يَتغيَّرَ الإناءُ بِكثرةِ التَّنفُّسِ فيه
وحِرصًا على النَّظافةِ والسَّلامةِ العامَّةِ، والوِقايةِ مِن العَدْوى وغيرِها
وهذا عامٌّ في كلِّ أنواعِ الأشربةِ؛ الماءِ وغيرِه.
ونَهَى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أيضًا عَنِ التَّمسُّحِ باليمينِ، وهو الاستنجاءُ بعدَ قَضاءِ الحاجةِ، وعن مَسِّ الفرْجِ بِاليمينِ، فلا يَمسَحُ بيَدِه اليُمنَى الذَّكَرَ بعْدَ البَولِ؛ وذلك لأنَّ اليَمينَ تُستخدَمُ لِفضائلِ الأعمالِ، ولا تُستخدَمُ في إزالةِ القَذارةِ والاستنجاءِ، وما سِوَى ذلك يكونُ لِليُسرى.
ونجد في هذا الحَديثِ: بَيانُ سَبْقِ الإسلامِ في آدابِ المأكلِ والمَشرَبِ، والنَّظافةِ الشَّخصيَّةِ والعامَّةِ، والمُحافَظةِ على سَلامةِ الناسِ.
25-باب: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ
فِي الشَّرَابِ
1298.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي
الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ قَالَ أَنَسٌ
فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا.(2028/123)
الشرح
عن أنس - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتنفس في الشراب ثلاثًا؛ يعني: يتنفس خارج الإناء"؛ متفق عليه.
شرح الحديث:
كراهة التنفس في الإناء أثناء الشرب ( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ.) رواه الامام مسلم
وفي هذا مراعاة للناحية النفسية والوقائية من الامراض
@ ناحية نفسية، وذلك أن مَن سيَشرب بعده، قد يكره الشرب من الإناء، وقد تتغير رائحة الماء إذا كان المتنفس مريضًا.
@ الناحية الوقائية، وذلك أن كثير من الأمراض تنتقل عن طريق التنفُّس وخاصة الامراض التي توجد ميكروباتها في منطقة الفم والبلعوم ، وحتي الفلورا الطبيعية الموجودة بالفم لدي شخص قد تتحول الي ممرضة لشخص اخر مناعته طعيفه مثل الاطفال وكبار السن ومرضي العوز المناعي
وناحية وقائية للشارب نفسه؛ إذ إنه إذا أبعد الإناء عن فمه، تنفَّس بهدوءٍ ولا يتناثر الرزاز الذي قديحمل الميكروبات داخل الاناء فتتكاثر ويتلوث الشراب
ولذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتنفَّس في الشراب ثلاثًا، ويقول: ((إنه أروى وأبرَأ وأمْرَأ))، قال أنس: فأنا أتنفس في الشراب ثلاثًا؛ رواه مسلم.
أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال :
( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا ، وَيَقُولُ : إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ ) رواه مسلم (رقم/2028)
وتفسير أهل العلم لهذا الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يشرب ما يحتاجه من الماء على ثلاث دفعات ، فيشرب جزءا ، ثم يبعد الإناء عن فمه ليتنفس ويخرج زفيره خارج الإناء ، ثم يعود فيشرب جزءا آخر ، ثم يبعد الإناء عن فمه الشريف صلى الله عليه وسلم ، ليأخذ نفسا ثانيا كما فعل في المرة الأولى ، ثم يعود ليشرب الجزء الثالث حتى يرتوي ويأخذ حاجته من الشراب .
فقول أنس رضي الله عنه في وصف شرب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ( يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا ) يعني أنه كان يتنفس أثناء الشراب ، لكن إخراج هذا النفس إنما يكون خارج الإناء ، كما بين ذلك الإمام النووي رحمه الله ، ثم فسر رحمه الله معاني كلمات الحديث الأخرى فقال :
( أروى ) من الرِّي : أي : أكثر رِّيا .
( وأبرأ ) أي : أبرأ من ألم العطش ، وقيل : ( أبرأ ) أي : أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفَس واحد .
( وأمرأ ) أي : أجمل انسياغا .
" شرح مسلم " (13/199)
وهناك حديث آخر يوضح الحديث السابق ، وفق ما مر معنا في شرحه ؛ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ ، ثُمَّ لِيَعُدْ إِنْ كَانَ يُرِيدُ )
رواه ابن ماجة (رقم/3427) وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (رقم/386)
قال ابن القيم رحمه الله :
" معنى تنفسه في الشراب : إبانته القدح عن فيه ، وتنفسه خارجه ، ثم يعود إلى الشراب .
وفى هذا الشرب حِكَم جَمَّة ، وفوائد مهمة ، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على مَجامعها بقوله : ( إنه أروى ، وأمرأ ، وأبرأ ) ؛ فأروى : أشد رِيَّا وأبلغه وأنفعه . وأبرأ : من البرء ، وهو الشفاء ، أي : يبرىء من شدة العطش ودائه ، لتردده على المعدة الملتهبة دفعات ، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه ، والثالثة ما عجزت الثانية عنه ، وأيضا فإنه أسلم لحرارة المعدة ، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ، ونهلة واحدة ؛ فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ، ثم يقلع عنها ، ولما تكسر سورتها وحدتها ، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية ، بخلاف كسرها على التمهل والتدريج .
وأيضا فإنه أسلم عاقبة ، وآمن غائلة من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة ، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده ، وكثرة كميته ، أو يضعفها فيؤدى ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد " انتهى باختصار.
" زاد المعاد " (4/230)
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
" يؤخذ من ذلك : أنه أقمع للعطش ، وأقوى على الهضم ، وأقلُّ أثرًا في ضعف الأعضاء وبرد المعدة "
" فتح الباري " (10/94)
وقال ولي الله الدهلوي :
" المعدة إذا وصل إليها الماء قليلا قليلا صرفته الطبيعة إلى ما يهمها ، وإذا هجم عليها الماء الكثير تحيرت في تصريفه ، والمبرود إذا ألقى في معدته الماء أصابته البرودة لضعف قوته من مزاحمة القدر الكثير ، بخلاف ما إذا تدرج ، والمحرور إذا ألقى على معدته ماء دفعة حصلت بينهما المدافعة ولم تتم البرودة ، وإذا ألقى شيئا فشيئا وقعت المزاحمة أولا ثم ترجحت البرودة " انتهى.
" حجة الله البالغة " (2/292) .
وينظر كلام مهم لبعض الباحثين المعاصرين حول هذه المسألة في كتاب "
" روائع الطب الإسلامي " ، تأليف الطبيب محمد نزار الدقر (2/33-34) ترقيم الشاملة .
وقد اتفق أهل العلم على كراهة أن يتنفس الشارب داخل إنائه ، فيصيب نفسه الماء الذي يشرب منه فيتقذر به ، وقد ورد النهي صريحا عن ذلك في حديث أبي قتادة رضي الله عنه
( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ ) رواه مسلم (رقم/267)
اذن
وفى هذا الشرب حِكمٌ جَمَّة، وفوائدٌ مهمة، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على مَجامِعها، بقوله : " إنه أروَى وأمرَأ وأبرأ "
فأروَى : أشدُّ ريَّاً، وأبلغُه وأنفعُه،
وأبرأُ : أفعلُ من البُرء، وهوالشِّفاء، أى يُبرىء من شدة العطش ودائه لتردُّدِه على المَعِدَة الملتهبة دفعاتٍ، فتُسَكِّن الدفعةُ الثانية ما عجزت الأُولى عن تسكينه، والثالثةُ ما عجزت الثانية عنه، وأيضاً فإنه أسلمُ لحرارة المَعِدَة، وأبقَى عليها من أن يَهجُم عليها الباردُ وَهْلةً واحدة، ونَهْلةً واحدة.وأيضاً فإنه لا يُروِى
لمصادفته لحرارة العطش لحظةً، ثم يُقلع عنها، ولما تُكسَرْ سَوْرتُها وحِدَّتُها، وإن انكسرتْ لم تبطل بالكلية بخلاف كسرِها على التمهُّل والتدريج.
وأيضاً فإنه أسلمُ عاقبةً، وآمنُ غائلةً مِن تناوُل جميع ما يُروِى دفعةً واحدة، فإنه يُخاف منه أن يُطفىء الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرةِ كميته، أو يُضعفَها فيؤدِّى ذلك إلى فساد مزاج المَعِدَة والكَبِد، وإلى أمراض رديئة، خصوصاً فى سكان البلاد الحارة، كالحجاز واليمن ونحوهما، أو فى الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وَهْلَةً واحدةً مَخُوفٌ عليهم جداً، فإنَّ الحار الغريزى ضعيف فى بواطن أهلها، وفى تلك الأزمنة الحارة.
"وأمْرَأُ": هو أفعلُ مِن مَرِئ الطعامُ والشرابُ فى بدنه: إذا دخله، وخالطه بسهولة ولذة ونفع. ومنه: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} ، هنيئاً فى عاقبته، مريئاً فى مذاقه.
وقيل: معناه أنه أسرعُ انحداراً عن المَرِىء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهُل على المرىء انحدارُه.
ومن آفات الشرب نَهْلَةً واحدة أنه يُخاف منه الشَّرَق بأن ينسدَّ مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغَصَّ به، فإذا تنفَّس رُويداً، ثم شرب، أمِنَ من ذلك.
ومن فوائده:
أنَّ الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخارُ الدخانىُّ الحارُّ الذى كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجَتْه الطبيعةُ عنها، فإذا شرِب مرةً واحدةً، اتفق نزولُ الماء البارد، وصعودُ البخار، فيتدافعان ويتعالجان، ومن ذلك يحدُث الشَرقُ والغصَّة، ولا يهْنأ الشاربُ بالماء، ولا يُمرئُه، ولا يتم رِيُّه.
وقد روى عبد الله بن المبارك، والبَيْهَقىُّ، وغيرُهما عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم: "إذا شَرِبَ أحدُكُم فَلْيَمَُصَّ الماءَ مَصَّاً، ولا يَعُبَّ عبَّا، فإنَّه مِن الكُبَادِ ".
والكُبَاد بضم الكاف وتخفيف الباء هو وجع الكبد، وقد عُلم بالتجرِبة أنَّورود الماء جملةً واحدة على الكبد يؤلمها ويُضعفُ حرارتَها، وسببُ ذلك المضادةُ التى بين حرارتها، وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته. ولو ورد بالتدريج شيئاً فشيئاً، لم يضاد حرارتَها، ولم يُضعفْها، وهذا مثالُه صَبُّ الماء البارد على القِدْر وهى تفور، لا يضرُّها صَبُّه قليلاً قليلاً .
وقد روى الترمذىُّ فى "جامعه" عنه صلى الله عليه وسلم: " لا تَشْرَبُوا نَفَساً واحداً كَشُرْبِ البَعيرِ، ولكن اشرَبُوا مَثْنَى وثُلاثَ، وسمُّوا إذا أنتم شَرِْبُتم واحْمَدُّوا إذَا أنتُمْ فَرَغْتُمْ ".
و المعلوم أن شارب الماء دفعة واحدة يضطر إلى كتم نفسه حتى ينتهي من شرابه
و ذلك لأن طريق الماء و الطعام و طريق الهواء يتقاطعان عند البلعوم
فلا يستطيعان أن يمرا معاً ..
و لابد من وقوف أحدهما حتى يمر الآخر ..
و عندما يكتم المرء نَفَسه مدة طويلة ينحبس الهواء
في الرئتين فيأخذ بالضغط على جدران الأسناخ الرئوية فتتوسع
و تفقد مرونتها بالتدريج.
وللتسمية فى أول الطعام والشراب، وحمد الله فى آخره تأثيرٌ عجيب فى نفعه واستمرائه، ودفع مَضَرَّته.
قال الإمام أحمد:
إذا جمع الطعام أربعاً، فقد كَمُل: إذا ذُكِرَ اسمُ الله فى أوله، وحُمِدَ اللهُ فى آخره، وكثرتْ عليه الأيدى، وكان من حِلٍّ.
وقد سأل مروان بن الحكم أبا سعيد الخدري، فقال: أسمِعتَ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النَّفخ في الشراب؟ فقال له أبو سعيد: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله، إني لا أُروى من نفسٍ واحد، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فأبِنِ القَدح عن فيك، ثم تنفَّس))، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: ((فأهْرِقها))؛ رواه الإمام أحمد، والإمام مالك، وابن حِبان، والبيهقي في شُعب الإيمان، وغيرهم، وصحَّحه الألباني.
ومعنى (فأبِن)؛ أي: فأبْعِد.
ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب من ثُلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب؛ رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وهو حديث حسن؛ كما قال الألباني.
ويَلحق بهذا النهي النفخ في الإناء، خاصة إذا كان هناك مَن يشرب بعده.
قال الحليمي: وهذا لأن البخار الذي يرتفع من المعدة أو ينزل من الرأس، وكذلك رائحة الجوف - قد يكونان كريهين
فإما إن يَعلقا بالماء، فيضُرَّا
وإما أن يُفسدا السُّؤر على غير الشارب؛ لأنه قد يتقذَّر إذا علِم به، فلا يشرب؛ نقَله عنه الإمام البيهقي، ثم قال:
وذكر كُليب الجَرْمي أنه شهِد عليًّا - رضي الله عنه - نهى القصَّابين عن النفخ في اللحم، وهو نظير النَّفخ في الطعام والشراب الذي جاء النهي عنه
لأن النَّكهة ربما كانت كريهة، فكرَّهت اللحم وغيَّرت رِيحه، وقد عُرِف ذلك بالتجارب؛ والله أعلم.
النفخ ،قد يتسبب في العدوي بالميكروبات
26-باب: النهي عن الشرب قائماً
1299. عن أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَشْرَبَنَّ
أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ.(2026/116)
وعن ابن عمر رضيَ اللَّه عنهما قال: كنَّا نَأْكُلُ عَلى عَهدِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ونحْنُ نَمْشى، ونَشْرَبُ وَنحْنُ قيامٌ. رواهُ الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن عمرو بن شعيب عن أَبيهِ عن جدِّه رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ رسُول اللَّهِ ﷺ يشربُ قَائمًا وقَاعِدًا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أَنسٍ رضي الله عنه عن النَّبيّ ﷺ أَنهُ نهَى أَنْ يشربَ الرّجُلُ قَائمًا. قَالَ قتادة: فَقلْنَا لأنَس: فالأَكْلُ؟ قَالَ: ذلكَ أَشَرُّ أَو أَخْبثُ. رواهُ مسلم.
وفي رواية لَهُ أَنَّ النبيَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائمًا.
6/772- وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: لاَ يشْرَبَن أَحدٌ مِنْكُمْ قَائمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقيءْ رواهُ مسلم.
27-باب: الرخصة في الشرب قائماً من زمزم
1300.عن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ
فَشَرِبَ قَائِمًا وَاسْتَسْقَى وَهُوَ عِنْدَ الْبَيْتِ.(2027/120)
المراجع
ويكى
مصدر
كتاب
الاشربة صحيح الإمام مسلم